المامقاني
417
غاية الآمال ( ط . ق )
الاستدلال لما يتجه عليه من انّه ( عليه السلام ) لعلَّه المرجع الأصلي في الأحكام الكلَّية قوله وكيف كان فلا إشكال في عدم جواز التصرف في كثير من الأمور العامة بدون إذنهم ورضاهم لكن لا عموم يقتضي أصالة توقف كلّ تصرّف على الإذن نعم الأمور الَّتي يرجع فيها كلّ قوم إلى رئيسهم لا يبعد الاطراد فيها بمقتضى كونهم أولي الأمر والولاية والمرجع الأصلي في الحوادث الواقعة ( انتهى ) تحقيق المقام ان عمدة البحث عن سلطنة الحاكم ولايته انّما يظهر أثرها فيما شك في ثبوت ولاية الحاكم فيه شرعا من جهة عدم قيام الدليل فيه على ثبوتها مثل ما لو كان من له الخيار في البيع ونحوه غائبا وكان زمان الخيار مشرفا على الانقضاء وكان الغائب ممن يصيبه الضّرر بلزوم البيع فهل للحاكم ( حينئذ ) ولايته مباشرة الفسخ أم لا ومثل ما قدمنا البحث عنه من انّه لو غصب الجزء المشاع غاصب فهل يجوز للحاكم ان يتولى قسمة العين بين الغاصب وشريك المغصوب منه أم لا فقد يقال بثبوت ولاية الحاكم في أمثال ذلك وقد يقال بعدم ثبوته كما هو لازم مذهب ( المصنف ) ( رحمه الله ) ومناط المسئلة هو ان ما أراد الشارع وجوده في الخارج من دون خصوصيّة لمن يقوم به كحفظ مال الغائب وإنقاذ النفوس المشرفة على الهلاك فذلك مما لا كلام في انّه يجب على الحاكم مباشرته لان ذلك مما لا فرق فيه بينه وبين غيره من المسلمين فيلزمه ما يلزمهم ان لم يكن أولى منهم بذلك فالكلام في غير ما علم كونه من هذا القبيل كما عرفت و ( حينئذ ) نقول إن مثل قوله ( عليه السلام ) عون الضعيف صدقة وغيره مما أفاد مطلوبية ما يقوم به أمور معاش العباد ونظام أحوالهم مما عدا ما ذكر كفسخ العقد الخياري وقسمة المال المغصوب جزء مشاع منه والأذن في إيقاع صلواتهم وغير ذلك مما لا يحصى مسوق لبيان مجرّد مطلوبيتها بجميع إفرادها من دون نظر إلى التقييد بجريانها بيد نوع خاص من المكلفين ثم قلنا إن أدلَّة ولاية الحاكم قضايا مهملة في قوة الجزئية فهذه الأدلَّة وان أفادت أمرا زائد أو هو اعتبار جريان الأمور المذكورة بيد صنف خاص هو الحاكم الشرعي الا ان ذلك ليس على وجه الكلية وإنّما هو في الجملة فلا تفيد ( حينئذ ) إلا ولايته في الأمور المذكورة في الشرع في الجملة فعلى هذا يصير الأصل جواز التصرف في الأمور المذكورة لكلّ واحد من آحاد المكلفين الا ما ثبت إناطة بالحاكم فلا يعتبر في مورد الشك في ثبوت ولايته الرجوع إليه وان قلنا بان مثل قوله ( عليه السلام ) عون الضعيف صدقة وغيره مما أفاد مطلوبية الأمور المذكورة مسوق لبيان مطلوبيتها من الحاكم بان تكون أدلَّة ولاية الحاكم قضايا كلية مقيّدة له ومعلوم ان التقييدات والتخصيصات في الأدلَّة الشرعية ليست من قبيل البداء وانّما هي كاشفة عن أن المراد بالمطلقات والعمومات هو المقيد والخاص من أوّل الأمر فعلى هذا تكشف هذه الأدلَّة عن أن المراد بالحديث المذكور وأمثاله هو ان ليس صدور الأمور المذكورة مطلوبا ولا مقصودا الَّا من الحاكم وحيث كانت بجميع إفرادها مطلوبة للشارع كانت بأسرها مطلوبة الصدور من الحاكم دون غيره فيكون الأصل ثبوت ولايته الا ما خرج بالدليل فعلى هذا يلزم الرجوع في موارد الشك إلى أصالة ولايته وظاهر الأكثر انما هو الأوّل وظاهر صاحب الجواهر ( رحمه الله ) بل صريحه انّما هو الثاني قوله ان كان ممن يتعين تقليده ابتداء أو بعد الاختيار الأول فيما إذا كان المفتي أعلم من غيره فإنه يتعين تقليده ابتداء على مذهب ( المصنف ) ( رحمه الله ) من وجوب تقليد الأعلم والثاني فيما إذا كان المفتي مساويا لغيره في مرتبة العلم لكن لما قلده المستفتي تعين حكمه في حقه قوله والى ما تقدم من قوله ( عليه السلام ) مجاري الأمور بيد العلماء باللَّه الأمناء على حلاله وحرامه لا يخفى ان التمسّك به هنا لا يخلو عن منافاة لما ذكره في ذيل الأخبار التي منها هذا الحديث من قوله لكن الإنصاف بعد ملاحظة سياقها أو صدرها أو ذيلها يقتضي الجزم في مقام بيان وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية وذلك لان الأذن في الواقعة الخاصة ليس حكما كليّا ولا جزئيا قوله فان المراد بالحوادث ظاهرا مطلق الأمور التي لا بد من الرجوع فيها عرفا أو عقلا أو شرعا إلى الرئيس هذه العبارة يتجه الاشكال عليها من وجهين أحدهما ان الأحكام الكلية المجهولة لا بد فيها من الرجوع إلى الرئيس عقلا وعرفا وشرعا فعلى هذا البيان يلزم ان تدخل في عنوان الحوادث وليست داخلة قطعا حتى عند ( المصنف ) ( رحمه الله ) ثانيهما ان التعبير بمطلق الأمور مع الاكتفاء في وجوب الرجوع فيها بكلّ من العقل والعرف والشرع يوجب دخول كثير من الأمور العرفية التي لا بد فيها عرفا من الرجوع إلى الرئيس حتى مثل ما لو خطب رجل بنت رجل فيجب ان يرجع فيها إلى الرواة لان من المرسوم الذي لا بد منه عرفا ان يرجع في ذلك إلى رئيس قبيلته فإن أريد من الرئيس الشرعي صار عطف العقل والشرع على العرف بكلمة أو لغوا وكان التقييد بالشرع كافيا أو كان اللازم عطفهما بالواو قوله واما تخصيصها بخصوص المسائل الشرعية فبعيد من وجوه ظاهر هذه العبارة ان ما استبعده عبارة عن تخصيص الحوادث بما لو التفت الجاهل إلى الأحكام فأمر بالرجوع إلى الرواة ( حينئذ ) ولكن ليس المراد هذا بل المراد تخصيص الحوادث بالوقائع التي تتفق في الخارج ولم يعلم حكمها فأمر بالرجوع في حكمها إلى الرواة بدليل انّه جعل ( رحمه الله ) من جملة وجوه بعد التخصيص ان الظاهر وكول نفس الحادثة إليه ليباشر أمرها مباشرة أو استقامة لا الرجوع في حكمها إليه ومعلوم ان الأحكام المجهولة التي التفت إليها الجاهل ابتداء من دون وقوع حادثة ليست ممّا يرجع في حكمها إليه وانّما هي مما يرجع في حكمها إليه وانّما هي مما يرجع في أنفسها ثم انّه يبقى هنا شيء وهو ان ( المصنف ) ( رحمه الله ) استدلّ بهذا التوقيع على توقف تصرّف الغير على أذن الحاكم ولم يستدل به على استقلاله في التصرف وهو يوهم في بأذى الرأي أنّه حمل الرجوع المأمور به في التوقيع على الاستيذان وليس ( كذلك ) بل الظاهر أن مناط نظره هو ان المراد بالرجوع إلى الحاكم هو عرض الواقعة عليه فان رآه مما يباشره بنفسه تولَّاه مباشرة والا أذن لصاحب الواقعة في المباشرة ثم انّه ربما يسبق إلى الوهم ان مضى أذنه يستلزم مضى مباشرته بل الثاني أولى من الأول لكن بعد الالتفات إلى الموارد الشرعية يظهر عدم الملازمة فإنّه يجوز ان يأذن لصاحب الحق في المقاصة ولا يجوز له ان يباشر المقاصة فيأخذ المال على وجه التقاص ويسلمه إلى صاحب الحق وكذا يأمر المحتكر بالبيع عند حاجة الناس إلى الطعام ولا يباشر بيعه بنفسه وكذا يأمره بالنزول عن المجحف عند إجحافه في الثمن ولا يسعّر عليه كما قيل ومع عدم الملازمة يصير محصّل التوقيع هو الأمر بعرض الواقعة على الحاكم حتى ينظر في تكليفه من المباشرة أو الأذن فلا يستفاد منه كونه مستقلا في نفس التصرف قوله ومنها التعليل بكونهم حجتي عليكم وأنا حجة اللَّه فإنّه إنما يناسب الأمور الَّتي يكون المرجع فيها هو الرأي والنظر فكان هذا منصب ولاة الإمام ( عليه السلام ) من قبل نفسه لا انه واجب من قبل اللَّه سبحانه على الفقيه بعد غيبة الإمام ( عليه السلام ) والا كان المناسب ان يقول